محمد محمد أبو موسى

659

البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية

موضعه فمن ذلك قوله تعالى : « وَإِنَّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها ، وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ . لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، يَخْلُقُ ما يَشاءُ ، يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ . أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً ، وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً ، إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ » « 83 » فإنه انما قدم الإناث على الذكور مع تقدمهم عليهن لأنه ذكر البلاء في آخر الآية الأولى وكفران الانسان بنسيانه للرحمة السابقة عنده ثم عقب ذلك بذكر ملكه ومشيئته وذكر قسمة الأولاد فقدم الإناث لأن سياق الكلام أنه فاعل ما يشاء لا ما يشاؤه الانسان فكان ذكر الإناث اللاتي هن من جملة ما لا يشاؤه الانسان ولا يختاره أهم والأهم واجب التقديم ، وليلى الجنس الذي كانت العرب تعده بلاء ذكر البلاء ، ولما أخر ذكر الذكور وهم أحقاء بالتقديم تدارك ذلك بتعريفه إياهم لأن التعريف تنويه بالذكر كأنه قال : ويهب لمن يشاء الفرسان الأعلام المذكورين الذين لا يخفون عليكم ، ثم أعطى بعد ذلك كلا الجنسين حقه من التقديم والتأخير ، وعرف أن تقديم الإناث لم يكن لتقدمهن ، ولكن لمقتض آخر ، فقال : « ذُكْراناً وَإِناثاً » وهذه دقائق لطيفة قل من يتنبه لها أو يعثر على رموزها . ومن هذا الباب قوله تعالى : « وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ، وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ » « 84 » فإنه انما قدم « الْأَرْضِ » في الذكر على « السَّماءِ » ومن حقها التأخير لأنه لما ذكر شهادته على شؤون أهل الأرض وأحوالهم ووصل ذلك بقوله : « وَما يَعْزُبُ » لاءم بينها ليلى المعنى المعنى » « 85 » . وهذه التحليلات التي نظر فيها واستخلص منها هذا الأصل الهام في التقديم مأخوذة من الكشاف « 86 » .

--> ( 83 ) الشورى : 48 - 50 ( 84 ) يونس : 61 ( 85 ) المثل السائر ج 2 ص 233 ، 234 . ( 86 ) ينظر الكشاف ج 4 ص 182 ، ج 2 ص 287 .